محمد سعيد رمضان البوطي
224
فقه السيرة ( البوطي )
ويعنفونه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمر بن الخطاب : « كيف ترى يا عمر ؟ أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له آنف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته » ، فقال عمر : قد واللّه علمت لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم بركة من أمري . خبر الإفك وفي منصرف المسلمين من هذه الغزوة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها ، ونحن نسوق لك خلاصة ما جاء في الصحيحين من خبر ذلك . فقد روت رضي اللّه عنها أنها خرجت مع رسول اللّه عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة . قالت : فلما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت إلى بعض شأني ، فلما رجعت إلى الرحل ، لمست صدري فإذا عقدي قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه قالت : وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلوني فاحتملوا هودجي - وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب - فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه ، وهم يحسبون أني فيه . . فبعثوا الجمل فساروا ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فيممت منزلي الذي كنت ووظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ، وكان صفوان بن المعطل ، من وراء الجيش فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان ، فعرفني حين رآني ، وكان رآني قبل الحجاب . وكنت قد غلبتني عيناي فنمت ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمّرت وجهي بجلبابي ، وو اللّه ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، وهوى حتى أناخ راحلته ، فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ، وهم نزول ، فهلك من هلك في شأني ، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد اللّه بن أبيّ بن سلول . قالت واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا ، والناس يفيضون في قول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك غير أني لا أعرف من رسول اللّه عليه السلام اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : « كيف تيكم ؟ » فلما نقهت خرجت ذات ليلة مع أم مسطح لقضاء حاجة - ولم نكن قد اتخذنا الكنف - فلما رجعنا عثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ ! . قالت أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي . . وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستشير بعض أصحابه في الأمر وفي فراق أهله ، فمنهم من يقول : يا